أبو علي سينا

185

القانون في الطب ( طبع بيروت )

الفصل الثالث قوام البول وصفاته وكدورته قوام البول ، إما أن يكون رقيقاً ، وإما أن يكون غليظاً ، وإما أن يكون معتدلًا . والرقيق جداً : يدل على عدم النضج في كل حال ، أو على السدد في العروق ، أو على ضعف الكلية ومجاري البول ، فلا يجذب إلا الرقيق ، أو يجذب ولا يدفع إلا الرقيق المطيع للدفع ، أو على كثرة شرب الماء ، أو على المزاج الشديد البرد مع يبس . ويدل في الأمراض الحادة على ضعف القوة الهاضمة وعدم النضج وربما دل على ضعف سائر القوى حتى لا ينصرف في الماء البتة ، بل يزلق كما يدخل والبول الرقيق على هذه الصفة هو في الصبيان أردأ منه في الشبان ، لأن الصبيان بولهم الطبيعي أغلظ من بول الشبان ، لأنهم أرطب ولأن أبدانهم للرطوبات أجذب ، لأنها تحتاج إلى فضل مادة بسبب الاستنماء ، فإذا رق بولهم في الحميات الحادة جداً ، كانوا قد بعدوا عن حالتهم الطبيعية جداً . واستمرار ذلك بهم يدل على العطب فإنه إذا دام دل على الهلاك ، إلا أن يوافقه علامات صالحة وثبات قوة ، فحينئذ يدل على خراج يحدث ، وخصوصاً تحت ناحية الكبد ، وكذلك إذا دام هذا بالأصحاءُ لا يستحيل فيهم ، فإنه يدل على ورم يحدث حيث يحسون فيه الوجع . وفي الأكثر يعرض لهم أن يحسوا مع ذلك بوجع في القطن وفي الكلى ، فيدل على استعداد لورم ، فإن لم يخص ذلك الوجع والثقل ناحية ، بل عم ، يدل على بثور وجدري وأورام تعم البدن . ورقة البول عند البحران بلا تدريج تنذر بالنكس . وأما البول الغليظ جداً ، فإنه يدل في أكثر الأحوال على عدم النضج ، وفي أقلها على نضج أخلاط غليظة القوام ، ويكون في منتهى حميات خلطية أو انفجار أورام . وأكثر دلائله في الأمراض الحادة هو على الشر ، لكن دوام الرقة على الشر أدل ، فإن الغيلظ يدل على هضم ما هو الذي يفيد القوام فيما يدل على هضم واستقلال من القوة بالدفع يرجى ، وربما يدل على فساد المادة . وكثرتها وامتناعها عن النضج المميز المرسب يدل على الشر ، ويستدل على الغالب من الأمرين بما يعقبه من الراحة أو يعقبه من زيادة الضعف . والأسلم من البول الغليظ في الحميات ما يستفرغ منه شيء كثير دفعة ، وأما الذي يستفرغ قليلًا قليلًا فهو دليل على كثرة أخلاط أو ضعف قوة والنافع منه يعقبه بول معتدله مقارن للراحة ، وإذا استحال الرقيق إلى الغلظ في الأمراض الحادة ولم يعقب راحة دل على الذوبان . والصحيح إذا دام به البول الغليظ وكان يحس بوجع في نواحي الرأس وانكسار ، فهو منذر له بالحمى ، وربما كان ذلك به من فضل اندفاع أو انفجار أو قروح بنواحي مسالك البول ، وإنما كانت الرقة والغلظ جميعاً يدلان على عدم النضج ، لأن النضج يتبعه اعتدال القوام . فالغليظ نضجه أن ينهضم إلى الرقة ، والرقيق نضجه أن ينطبخ إلى السخونة . والبول الغليظ كما قلنا فيما سلف قد يكون صافياً مشفا ، وقد يكون كدراً ، والفرق بين